الأربعاء 06 يوليو 2022
img

مساهمة/ أيّــــام الــدّراويــش – بقلم أستاذ اللغة العربية نورالدين محمدي

وجدتُ في بعض الآثار الثّابتة عن النّبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال : “بورك لأمتي في بكورها” فمضيت أبحث عن معناه في كتب شرح الحديث حتى وجدت أنّه بمعنى الدّعاء بالبركة في وقت البُكْرَة، وبمعنى الإخبار بأن الله – عزّ وجل- خصّ وقت البُكْرَة  بالبركة لما فيه من الحيوية النّشاط.. ولئن كان غرضُ حديثِه الإخبار أو الدعاء فإنّ كليهما صحيح ودال على بلاغته – صلى الله عليه وسلم – وأنّــــه أوتي جوامع الكلم…

إلاّ أنّــي رأيت في هذه الحياة من أحوال النّاس وشؤون معيشتهم ما يماثل معنى الحديث تمام المماثلة، ويطابقه تمام المطابقة… ففي المدينة المجاورة للقرية التي أقطن بها،يعيش إنسان مَنْطِقُهُ أقرب ما يكون إلى مَنْطِقِ دابّة الأرض تقريبا –إن جاز التّعبير- احمرت شمس حياته وبدأت تميل إلى الغروب شيئا فشيئا، مرّ الكثير من عمره دونما اتعاظ،ومازال يضيع ما بقي منها في الغفلة واللّعب…

في أيام الطلّب وتحصيل العلوم استيقظ أقرانه وجيرانه في بكرة حياتهم بكلّ حزم وعزم، ضحّوا بطفولتهم، وزهرة شبابهم في سبيل ذلك حتّى بلّغهم الله مرادهم، وأنالهم مآربهم، رحمة منه ونعمة. وأمّا ذلك الغافل اللاهي فبقي نائما يستمتع بنومه وأحلامه حتى أيقظه حرّ الضّحى من حياته، ليحمل محفظته البالية مستعجلا،متّجها إلى المدرسة ناسيا أغلب كراساته كما هي عادته، وحين وصل وجد أغلب الذين كانوا معه في مقاعد الدراسة علماءَ وأساتذةً وباحثين، يُدَرِّسُون طوابير حاشدة بالطلاّب يفخر بهم آباؤهم وأمّهاتهم…حاول الدّخول إلى ميدان حياتهم ليحجز له مكانا بينهم لكن حاجب القدر منعه من ولوج الباب لأنّ مستواه لا يؤهله لذلك…انتظرهم خارج العمل ليجلسوا إليه ويَقُصَّ عليهم بعض حكاياته، ويقوم ببعض التّهريج كما كان يفعل من قبل، لكنّهم اعتذروا إليه بالجّدِّ والعلم وكثرة الشّواغل.. راح يمشي في سُبُلِ الحياة هائما على وجهه نادبا حظّه على غفلته وما فرّط فيها من أيّامه إلى أن سمع ذات مرة مناديا ينادي بالصّلاة فدخل المسجد ليجد بعضا مـمّن كانوا معه في الطفولة أئمةً وواعظين على المنابر وفي المحاريب،أراد أن يُلحق نفسه بهم فقرأ نُتَفًا من كتب الفقه والتّفسير، وحفظ شيئا من القرآن، ولبس عباءة و كَوَّرَ عمامة على رأسه، وراح يهرول بين المساجد والمصليات،مشمّرا عباءته،ويحشد النّاس في النّوادي والطّرقات ويُفتيهم في مسائل من الدّين لم يسألوه عنها، ويردّ على أقوال الأئمة والفقهاء ويرفع من شأنه -في ظنّه-، وأخذ يفسر الأحلام، ويدّعي الرّقية من السّحر والجانّ، وتكلّم في جملة من القضايا الدّولية العالقة وانتقد السياسات العالمية وراح يدلي فيها بآرائه… حتى أحدث صداعا كبيرا ضجّت له المدينة كلّها.فلا المسكين تابع التّعليم النّظامي وتخرّج فيه،ونفع النّاس في ميدانه، ولا هو لازم الأشياخ والفقهاء وطلب علوم الشريعة على أيديهم وبلّغ النّاس ما يعرفه عن ربّ العالمين…

وأمّا عن أيام العمل وكسب المال وتحصيل الثروة فقد استيقظ أقرانه وأبناء جيله في فجر حياتهم، ورسموا طرقا توصلهم لكسب عيشهم وعيش أولادهم ، فمنهم من رزقهم الله فهما حادّا وفكرا وقّادا،لزموا الدراسة وحصّلوا منها شهادات وكفاءات عليا في تخصّصات شتّى، رفعتهم على غيرهم وضمنت لهم العيش الكريم لهم ولأبنائهم.. ومنهم من خالط أصحاب الصّنعة والحرفة حتّى ورث منهم حرفة جعلت النّاس تتوسّل إليه بأموالها ليقضي حاجاتِهم ويفكَّ أزماتِـهم..ومنهم من تعلّم خدمة الأرض وكيفية فَلْحِهَا حتّى عرف سرّها واستخرج كنزها وخيراتها، فعاش ميسورا في عيشه،مَلِكًا على أرضه… ومنهم من تعلّم فنون التجارة، وجرّب الرّبح والخسارة،وجال في الأسواق وصال،  وتعثر وقام، حتى صار أغنى عباد الله مالا، وأكثرهم تابعا، وذاع صيته، وعلت كلمته ..وأمّا عن ذلك الغافل المسكين،فقد نام عن صلاة الفجر ولم يُبَكِّرْ للسّعي مثل بقية أقرانه وجيرانه، بل غطّ في نوم عميق حتى لفحه حرّ هاجرة الدّهر،واكتهل عمره… أطل من نافذته فرأى من كان من أحبابه وخلاّنه قد وجدوا جِدَّهُم، وحصدوا زرعهم، ورزقهم الله بالأسباب، فكسبوا أموالا، وبنوا بيوتا، وانجبوا أولادا، وتصدّقوا بفضل أموالهم على الفقراء والمحتاجين. فشرهت نفسه،وهاج به الجهل وماج.. أراد الربح السّريع وتنمية ماله ليدرك أصحابه، فاتبع خطوات الشّيطان وحارب ربّه في معركة الربا فبطش الله به بطشته بالأولين، ومزّقه كل ممزّق، وتركه يمشي بين النّاس عريانا عبرة لمن يعتبر..مَارَسَ السّرقة وبيع المخدرات أياما ليختصر الجهد لكنّه لم يفلح، فقد كنت أراه كل يوم وكلاب الحي تجري خلفه والنّاس تلعنه وتقذفه بالحجارة، ودوريات الشّرطة تبحث عنه في كلّ حين ومكان.. أراد أن يمارس الطّبّ من فرط جهله، فجعل له طاولة على قارعة الطريق وفيها بعض الزّيوت والخلطات الغريبة الشّكل ثم شرع ينادي: هذا دواء للبعوض، وهذا دواء للإكزيـما، وهذا دواء لألم الأسنان، وهذامسحوق يعيد الشباب، وهذا، وهذا…فما مضت بعد ذلك أيام حتى رأيت خلقا كثيرا عند باب العيادة يشكون الألم بسبب خلطاته العجيبة…

مرّت أيام لم أسمع عنه خبرا، ذهبت إلى بيته لأسأل عنه فوجدت والدته عند الباب، شاردة الذّهن وقد خطّ المشيب خطوطا على شعرها، وترك الدّهر ندوبا على وجهها، وكنت أعهدها من قَبْلُ امرأة جميلة، حسنة القدّ، طويلة اليد، ظريفة المنطق، كلّ الجارات يذكرنها بالفضل والإحسان…

 كانت جالسة وبجانبها الولد الشقيّ على كرسيه المتحرك، فقد حاول الانتحار ذات مرّة ليتخلص من حياته ومن وساوس الفشل الذريع التي سلبت فكره، فهو نادم على ما ضيّع من طفولته و زهرة شبابه في اللهو واللعب وتبديد أمواله فيما لا طائل منه، بينما كان أقرانه وأترابه قد بكّروا وشمّروا عن سواعد الجدّ والاجتهاد منذ بزوغ فجر الحياة…حاورته لأسلّي عنه قليلا وأرفع من همّته،فالمؤمن مصاب ولا بدّ له من الصّبر والإيمان بالقدر خيره وشرّه من أركان الإيمان، وما عجلة المرء بالموت وقتل النّفس إلاّ من تخويف الشّيطان للعباد… كنت أسلّيه وأخفّف عنه وفي نفسي من الملامة والعتاب ما هو أثقل عليه من جبال الشّريعة والأوراس وجبال جرجرة والطاسيلي مجتمعات عليه، إلاّ أنّي عدلت عن ذلك شفقة عليه وعلى الأمّ البائسة التي شقيت به، فهؤلاءالقوم الغَفَل قد جمّدوا عقولهم وجعلوها حجرالأذى في طريق النماء يتأذّى بهم المارّة جيئة وذهابا،وجعلوها مدرا في حقول الحياة سيقلبها محراث الأجل لتُمحى أشكالها ، ويبلى ذكرها..حتى جاوزوا الحدّ في أذية أنفسهم وأهليهم وجيرانهم ومجتمعهم ،.. وفي أمثال هؤلاءقال الشاعر الأول:

 لا بأس بالقوم من طولٍ ومِنْ قِصَرٍ …. جسمُ البغال وأحلام العصافير

ولئن تأمّل المعتبر في  حال الغافلين ومحاولاتهم اليائسة في تدارك الأرزاق من العلم والمال والجاه وغيرها وفي حال اليقظين الذين بكّروا  لها وحزموا أمرهم لنيل مرادهم ومآربهم وفي القسمة التي قَسَمَ الله بها بينهم فإنه سيسبح لله تعالى وسيردِّدُ قوله تعالى: ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدّنيا ). ليس لأن الله كتب القدر جبرا عليهم وظلمهم، بل لحكمته البالغة في تدبيره، ولإحاطته الكاملة بملكه، وعلمه التّام بما كان وبما سيكون وبما لم يكن فسبحان الله رب العزّة عمّا يصفون.