الأربعاء 06 يوليو 2022
img

سلفيّون مفلسون…بقلم أستاذ اللغة العربية نورالدين محمدي

بقلم أستاذ اللغة العربية نورالدين محمدي

لعلّ كثيرا مـمـّا يدور في الأذهان من الأفكار البرّاقة، والأمنيات الجميلة لدى كثير من الجزائريين في حبّ الله ورسوله، والطّاعة والانقياد لهما.. ذلك المصطلح الجميل الموسوم بــ:” السّلفية” أو “أتباع السّلف الصّالح” والمقصود بهم: النّبّي الهادي:محمّد –صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام –رضي الله عنهم أجمعين – وبالطّبع هو منطق سليم، وفِكْرٌ راجح،وعَمَلٌ صالح لـمنْ آمن به وصدّقه في دعوته بالقول والعمل وحُسن السِّيرة والسَّريرة.. إلاّ أنّ الواقع الذي نشهده اليوم من الكثيرين الذين يزعمون أنّـهم من أتباع السّلف-وهم في الحقيقة ليسوا بأتباعٍ للسّلف- خلاف لهذا..وذلك لأنّهم غيّروا كثيرا من مدلول السّلفية من المعنى السّابق إلى معنى الغلوّ والتشدّد في الدّين والطّعن في أهل الإمامة والدّعوة والإرشاد وتبديعهم والكذب عليهم وتنفير النّاس عنهم مثلما كانت قريش تُنَفِّرُ النّاس عن دعوة النَّبي الكريم في بداية دعوته… ثمَّ إنّـَهم بدّلوا كثيرا من مُراد الله في تنزيله، وغيّبوا كثيرا من أخلاق نبيّه –صلى الله عليه وسلم- مثل التواضع، والحياء، والابتسامة، والحِلْمِ، والصّبر، وطلاقة الوجه،والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،ونحو ذلك… يومَ ادّعوا الانتساب لـهديه والتخلّقِ بأخلاقه فكذبوا عليه بـهتانا، وصرفوا عامّة المسلمين عن سنَّته –صلّى الله عليه وسلّم- مثلّما صرف عامّة المسلمين الكثيرَ من غيرِ المسلمين عن دينِ الاسلام في الدُّول الغربية بسبب تصرفاتـهم السّيّئةِ، وأخلاقِهم القَبيحة..و لئن كان علمُ الجرح والتّعديل من العلوم الضرورية لحفظ الدِّين وصَوْنِه من زَيْغِ الضَّالِّين وتحريف الغالين فإنّه يبقى من فروض الكِفايات ومن علوم الخاصّة الذين بلغوا من الدّين مبلغ الرّاسخين في العلم فيعرفوا الكيفية والـحِينَ الذَيْن ِيوظِّفونه فيهما فيُؤمَن بذلك الزَّللُ في فهمه، وتُؤْمَنَ الفِتنة من استعماله، مثلما استعمله علماء الحديث قديما في صَوْنِ أحاديث الـمُصطفى –صلّى الله عليه وسلّم- مِنَ الكذب المنسوب إليه حتى وصلت إلينا سنَنُه صافيةً مطهّرةً كَيَوْمِ خرجتْ مِنْ فِيهِ -صلّى الله عليه وسلّم- بيضاء نقيّة.. كلُّ هذا لجلالة قَدْرِهذا العلم،وعظيمِ أمره، وخطير شأنه..

أمّا اليوم -والحال خلاف الأصل – فقد استغلَّ هذا العِلْمَ الخطير كلُّ من صلى وصام. بل وصل إلى سفهاء الناس وغوغائهم فأُسيئَ فهمُه، وأُسيئَ استخدامُه، فحمل السّلاحَ الخطيرَ جاهلٌ مريضُ القلبِ،أعورُ البصرِ،أعمَى البصيرة،بهيئة ناصحٍ في ثوْبِ عباءةٍ وعمامةٍ، فعاث يمينا وعاث شمالا، فاستخفُّوا عقولَ النّاسِ وتلاعبوا بها، فمنعُوا كثيرًا من بيوتِ اللهِ أن تُرفعَ وسَعوا في خرابها، وانفضَّت كثيرٌ من مجالس الذّكر بسببهم، وقَعدوا بكلّ صراطٍ يتربّصون بالتَّائبين الـجـُدد الذين أنهكتهم المعاصي وأنابوا إلى ربـِّهم فاستغلَّوا قلَّة علمِهم وشدّةَ حماسهم إلى الدّين فأضلوهم وحملوهم على الغلوِّ والتطرّف …وما درى المساكين أنَّ إبليسَ قدْ لعبَ بهم لعبا،وضحك عليهم ضحكا حتى سالت دموعه، وبدت نواجذه، إلى حدّ أنه كاد بهم واستعملهم في أذيّةكثير من أولياءالله الصالحين وهم لايشعرون… وما درى المساكين أنَّـهم مـِمَّنْ وَصَفَ القرآنُ بالغافلين [ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا 103الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا وهم يحسبون أنـّهم يحسنون صنعا 104]الكهف 103-104وما درى المساكين أنّهم من الـمُفلسين الذين جعلوا من أنفسهم زادا لغيرهم يوم لا ينفع مال ولا بنون… ولا أرى مثالا أنسب للذي ذكرتُ آنفًا غيرَ تلك المخدّراتِ ذاتِ التَّــركيز العالي التي جُعِلت أَصْلاً في مَشْفَى الـمجانين تُعْطَى لهم بوصفات طبيّة في أوقاتٍ وجُرعاتٍ مـُحدَّدة من قِبَلِ الـمُختصِّين في الـميدان، ثمَّ هبْ أنَّ هذه الحبوب الخطيرة صارت تُعطى بالمـجان خارج الـمَشفى…حتّى صارت كلُّ دابَّة تدبُّ على الأرض تـُجَرِّحُ وتُعدِّلُ -بزَعمِها – وتغتاب أعراض المسلمين– والله المستعان-؟؟

بل وصل الجهل بكثير منهم في معاملة النّاس إلى أنّك تجد الفهيم فيهم عابس الوجه يعامل أهلَه وجيرانَه على شرْط البُخاري ومسلم.. يهجُر هذا الإمام لأنَّه يرى فيه رأيا -بزعمه-، وذاك المعلِّم للقرآن لا يأخذ عنه القرآن لأنَّه صَاحَبَ الإنسان الذي رأى فيه رأيا -بزعمه-، وذلك الـتّائب الجديد يهجره ويحذّر الناس من مجالسته لأنّه صَاحَبَ من صَاحَبَ من رأى فيه رأيا-بزعمه-.. ولعلّ الأمر الغريب واللاّفت للانتباه هو أنّ أغلب هؤلاء الـمجهولين الـمُتعالمين لا تتعدى أن تكون البنايةَ والفلاحةَ والبطالةَ… -ليس من قَبِيل غَمْطِ النّاس وردّ الحقّ، ولكن من قَبِيل أنّ الانسان التَّافه يتكلَّم في أمْرِ العامّة-، وأنَّ أغلب الذين هُتِكَتْ أعراضهم هم من أهل الإمامة والاستقامة والإصلاح الاجتماعي.. والحقّ الذي يُقال أنّنا إذا نظرنا إلى الضفّة الأخرى من المجتمع لوجدنا أنّ كثيرا من النّاس يتحولون إلى النصرانية وإلى التشيع في بعض نواحي البلاد، والكثير مازال يؤمن بأقوال الكهنة والعرافين، والكثير عاقٌّ لوالديه، أو هو آكل الرِّبا أو الرُّشَا،أو هو جامع بينهما..لكن لا يأمرونهم بـمعروف ولا ينهونـهم عن منكر !!؟؟

والذي أَدِين الله به، وأنصح به إخواني الكُتَّاب من الدّعاة والأئمة السلفيّين الـجادّين أنّ ينصحوا النّاس وأن يُبيِّنوا لهم في الجُمع والجماعات،وفي الكتب والمراسلات أنَّ الذي يدّعيه هؤلاء القوم الـهَمَلُمن التّعرض لأهل القرآن والدّعوة والإصلاح،والإِغضاء عن الإلحاد والتنصيروالتشيُّع والشّركِ وسائر الموبقات-والتي باتت تهدِّدُ الدّين في البلد-، ثمّ نسبة ذلك كلِّه إلى السّلف الصّالح إنـّما هو ادّعاء كاذب وليس من هَدْي محمّد –صلى الله عليه وسلم – ولا مِنْ سنّتِه في شيء، وأنّ السّلف الذين يزعمون الانتساب إليهم هم منهم براء، ولو تأمل العاقل البصير في أغلب المخاصمات والتعرّضِ للقيّمين على الدّيانة لوجد ذلك كلَّه أو جلَّه بسبب أمور دنيا يصيبونها، أو لأمراضٍ في قلوبهم عجزوا عن مداواتها فقاموا بمداراتها فألبسوها لباس الورع والتقوى واتِّبَاعِ السّلف.. وأمّا عن طريقة التّعرُّض للغير بالغيبة والنّميمة ونشر الشّقاق بين المسلمين باسم الجرح والتعديل فليعلم الأئمة الكرام أنّ هذا العلم جليلٌ وليسَ بـمنكرٍ في الدّيانةِ،لكن له خاصّتُه وأوانه، وأنَّ هؤلاءِ المدّعين ليسوا بأهْلٍ لذلك إطلاقا،وليسوا بأكفاءَ له. ومـحال أن يكونوا من أهله ما دامت الجرأة والوقاحة وقلة الأدب من أخلاقهم، بل هو بعيد المنال عنهم بُعْدَ الثَّرى عن الثُّريّا، وأنّ هؤلاءِ المدّعين مجهولون كمجهولي قتلة عثمان –رضي الله عنه- لا ينصرون دينا ولا يحاربون بدعة ولا يتّبعون نبيّا، حالهم قريبٌ من حالِ الخوارج، يكثرون العبادة، ويقتلون الصالحين… والذي أنصح به أهل الإصلاح كذلك هو تبيين الفرق الواضح، والبون الشاسع لرُوَّاد المساجد بَيْنَما كان عليه السّلف الصالح من السّنّةِ، وبَيْنَما يكون عليه إفلاس هؤلاء من البدعة، حتّى لا يلتبس الأمر عليهم، وبخاصّة الـملتزمين الجدد فإنّــي أرى هذا الشّكلَ من التّديُّن غلوًّا في الدّين قد ظهر بلون جديد لا غير،وسرعان ما ينكشف زَيْفُهُ وزُورُهُ -إن شاء الله تعالى- كرغوة الصابون سرعان ما تخور، وهو كذلك من الفتنة في الدّين –مع الأسف الشديد – والتي بُليت بها الكثير من بيوت الله عزّ وجلّ..وكذلك لتجنّب الانزلاقات والتردّي في هاوية الفوضى، مثل الذي بدأت به فتنة التسعينات..بدأت بالحماس الطائش للشباب من دون قيود تقيّده، أو حدود تُوقفه، حتى وصل hلحال إلى ما وصل.. كما لا يفوتني خِتاما أَنْ أبَشّرَالدّعاةَ الأثبات الذين اختارهم الله لـهذا الأمرأنَّ اليقين والصّبر طريق الوَلَايَةِ والإمامة التي جعلها الله مقام كرامة للصابرين [ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون] السجدة 24 ، وهـما السّبيل الـمُنير الذي سار عليه أصفياء الله وأحبابه من الرّسل والنبيين – عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم-.