الأربعاء 06 يوليو 2022
img

المدرسة بين القديم والحديث/ بقلم نورالدين محمدي- أستاذ اللغة العربية

الأمر الذي لا شكّ فيه، والذي لا يـخفى على ذي عقل ودِين هو أنّ المدرسة دائما وأبدا ميدانُ كلِّ خيرٍ وصلاح، و هي منبت الأجيال، ومَرْبَعُ الرّجال، وهي مضرب مثلٍ لكلّ أمرٍ فيه خيرُ البلاد والعباد، من أجل ذلك صار هذا الاسم الجامع للخير يطلق  مجازا على كلّ مَنْ له تأثيرٌ في صناعة الأفكار، وبناء العقول، وتربية النّاشئة.فكان النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- مدرسةً لأنّه أسّس أمّة تقوم على التّوحيد الخالص، والعلم النّافع، والعمل الصّالح، والأخلاق القويمة، ومثلُه جدّه إبراهيم –عليه الصلاة والسّلام- الذي قال الله فيه: ( إنّ إبراهيم كان أمّة قانتا لله حنيفا ولم يَكُ من المشركين) النّحل:120.. وسمّيت الأمّ الطّيّبة مدرسة لأنّها صنعت النّواة الأولى صاحةً لنشأة المجتمع النّاجح الذي يحافظ على هوّيّته وإرْث أجداده، ويضمن استمراره وبقاءه، وفيها يقول حافظ إبراهيم: الأمّ مدرسة إذا أعددتها  ***  أعددت شعبا طيّب الأعراق

وسـُمـِّيَ الشّهيد الذي نال الشّهادة في مواجهة العدوّ المستدمر مدرسةً لأنّه كتب بدمائه دروسا ومبادئ لأحفاده من بعده في كيفيّة الدّفاع عن الدّين واللّغة والأرض والعِرض.. و هكذا .. فكان اعتناء القدماء المثقّفين الحذِقِين بهذا المعنى وبهذا الاسم الجامع لكلّ خير ” المدرسة” كبيرًا جدًّا، ولم تكن نظرتهم قاصرة على المباني والحُجُرات التي تُلقَّن فيها الدّروس للطّلاب اليوم، والتي هي نظرة الكثرة من النّاس اليوم مع الأسف الشّديد.. فالمسؤول أو الراعي مدرسة أَمْنٍ وخيرٍ أو مدرسة كربٍ وبلاء بالنّسبة إليهم، فكانوا يختارون الصّالح منهم الذي يرعى مصالح شعبه ووطنه، وإمام المسجد مدرسة سنّة أو مدرسة بدعة فكانوا يختارون لإمامتهم من شهِدَ له أشياخه بالخلق الحسن، والأدب الرّفيع، والعلم الصحيح، والخلوّ من التشدّد الجافي والتميّيع المرن. حتّى يضمنوا سلامة دينهم وأخلاقهم.. وبناء الأسرة واختيار شريك الحياة عمل مبارك تُشارك فيه العائلة كلّها بالتّفكير والمشورة والنّصيحة حتّى يضمنوا حياة مُوفّقة، وأسرة صالحة لشبّانهم وفتياتهم، لأنّهم يرون في بنائها بناء مدرسة أساسُها الدّين والخلق أولا،ثم الأمور الأخرى ثانيا وثالثا..وأمّا الأولاد الصّغار بقلوبهم النّقية، وبعقولهم الطّرية، فقد كانوا ينتقون لهم شيوخا مؤدِّبين يعلّمونهم الأدب، والعلم، والحكمة، ومحاسن الأخلاق وكمالها حتّى يضمنوا لهم حُسن التّربية والتّعليم..

وعلى هذا النّحو الشائع فيهم بإشراك المفهوم الجامع للمدرسة في جميع ميادين الحياة تضافرت حبال الخير وسبله في القيام بمجتمعاتهم ورقيّها وازدهارها، فصلحوا بذلك، وصلحت مجتمعاتهم، وعاشوا أحرارا في بلادهم، وعاشوا أسيادا على غيرهم من الأمم والمماليك، ومن ذلك ما صوّره لنا أبو الطّيّب المتنبي في مدح سيف الدّولة الحمداني:

كأنّ العِدا في أرضهم خلفاؤه *** فإن شاء حازوها وإن شاء سلّموا.

أمّا المدرسة اليوم فمدلولها لا يكاد يتجاوز تلك المؤسّسة التّابعة للحكومة عن طريق وزارة التّربية الوطنية، والتي تتشكّل من فريق تربوي وحارس ومدير المؤسسّة، يأتي إليها التّلاميذ كلّ صباح لأجل تلقّي المعارف والمبادئ والفهوم وِفْقَ برامج زمنيّة وتعليميّة تحدّدها الوزارة الوصيّة عليها.. وما أضيَقَه من مدلول وما أسوأه! لأنّه بهذا الحصر الضّيّق غُيِّب دور الأسرة بكونها مدرسةً وبكونها النّواه الأولى في المجتمع. فاضطربت وتزعزعت فاضطرب المجتمع لاضطرابها وتزعزع.. وغُيِّب دور المسؤول بكونه جامعا للخير وحريصا على مصلحة الشّعب والوطن فأُشرِك في السيّاسة وتكلّم فيها من لا فِقْه له بها ولا دراية، فسعوا في الأرض فسادا، وأهلكوا الحرث والنّسل.. وغُيِّبَ دور الشّباب في كونه مدرسة إعداد المستقبل وبنائه إلى مفهوم التّقليد السّلبي والغفلة والتردّي في هاوية الأخلاق بداعي المراهقة، والمتعة بالحياة في زهرة الشّباب حتّى بات مستقبل الأمّة مهدّدا بالزوال والاندثار…

وإذا أراد الشّعب اليوم حقّا إعادة بناء بلده من جديد، وإزالة العبوس عن وجهه المكفهر، وجعله يبتسم مع أبنائه ويرضى عنهم –ولا أشكُّ في نيّته- فالأمر لا يتعدى سوى إعادة النّظر في شأن المدرسة العامّة التي يتخرّج منها الأفراد والجماعات الذين ينتمون إلى هذا الوطن الغالي علينا جميعا، وأن يُغيّر فهمه لمدلول هذه المدرسة ورمزيّتها فقط.. فالبلد لا يحتاج إلى استيراد أفكار وحلول.

ولا إلى استيراد وسائل وآلات وصناعات حديثة..لأنّه في غُنْيَة عنها تماما.. بل يحتاج إلى بعْثِ مدارسِهِ التي يقوم عليها والتي بها يعيش … فيحتاج إلى مدرسة الأخلاق لتنتجَ له موظّفين جادّين يتقنون أعمالهم من دون رقيب عليهم ولا حسيب، ويحتاج إلى بعث مدرسة المرأة الصّالحة التي تنجب له الولد البارّ بملّته الذي لا يتنكّر لها ولا لبني جلدته مهما كانت الظروف والأحوال، ويحتاج إلى إكرام قدوة المجتمع وعدم إسقاطها كالأستاذ، والإمام، والعالم…ونحوهم، لأنّ هؤلاء وأمثالهم مدارس تمشي على الأرض يقتدي النّاس بهم… فإذا بنى الشّعب هذه المدارس وغيرها وعَمَرَها فحتما ستعود إلى نشاطها وسالف عهدها -وإنّي أتفاءل ذلك- وحينها تقوم للرجل المريض قائمة، ويتعافى بعد طول فراش، ويمشي من جديد بل يعدو عدوا ليلحق بركب الحضارات التي فاتته منذ أمد بعيد وما ذلك على الله بعزيز.