الأربعاء 06 يوليو 2022
img

الـــوبـــــــــــــــــــــــاء/ مساهمة نورالدين محمدي أستاذ اللغة العربية

الـــوبـــــــــــــــــــــــاء

بقلم: نورالدين محمدي /أستاذ اللغة  العربية

إنّ أغلب الأخبار والأحاديث الـمتناقَلة على ألسن النّاس هاته الأيّــام في الـمجالس العــامّــة، وفي وســائــل الإعلام والاتّصــال الوطنيّــة والعــالـميّــة عن الــوبــاء الأخيــر الذي يُقال أنّه انطلق من مدينة ” وُوْهَــانْ” شرق الصّيــن الشّعبيّــة، حتّـى بلغت ذروة انتشــاره أنْ غطّـى أغلب دول الـمعمورة تقريبـا. ولم تنجُ منه إلاّ تلك الجـزائــر الـمتـراميــة في أعالـي البحــار، أو تلك الدويــلات الصّغيــرة ذوات النّسمــة القليلـة والـمعزولــة عن العــالـم، والـتي مــازال نـمــط الـحيــاة فيهــا أقـرب ما يكون إلى الـبُدائيّــة منــه إلى الـحداثــة….

وبــاء ” كوديفد 19″ أو ” كورونــا” يُشــاع عنــه أنّ الـعـدوى بــه جـاءت من طـائـر الـخفّــاش بسبب الـوجبات الـمُقْرِفــة الـتي يتنـاولـها الصّينيون أو ما يسمى عندهم بـحســاء الـخفّــاش، ويُشــاع عنه أيضــا أنّــه فيروس ينتمـي إلى فصيلــة فـيـروســات “السّارس” يصيب الجهاز التنفسيّ، تـمّ تـعديـلُــه جِينـَـاتِه في مـخابــر الأبـحاث البيـولـوجيّــة ليصيــر سلاحا بيـولـوجيًّـا أكثـر فتكا من الأسلحـة الـنّـوويّــة ذاتِـها، ثـمّ بعد ذلـك حصل تسرُّبٌ فـيـروسيُّ من تـلك الـمخابـر، فـخرج عن السّيطـرة وَفَتَكَ بـالعالـم أَسْرِه. كلُّ ذلـك مع عجـز الـخبـراء والباحـثـيـن في مـجــال الطّـبّ عن إيــجــاد لـِقَــاحٍ للـحــدّ من انـتـشـــاره…

وســواء كان انتـشــار هــذا الـوبــاء بسبب تنــاول الصّـيـنـيّـيــن للجِيَّفِ وللّحـوم الضّــارّة، أم كـان بسبب التطـوّر الـمُتسـارع للعلـم والـغيـر مُتحكَّم فيـه، خصوصا فـي الـمجــال الطبّـي البيـولـوجـيّ. فإنّ الـذي نعلمُـه يقينًـا بصفـتـنــا مسلميـن وأهــل كتــاب هو: أنّ هــذا الـوبــاء من شـرّ قـضــاء الله وقدره، وعليــه يتـحتّم علينــا لـزامــا أن نرضـى بـهـذا القَدَر، وأنْ نستسْلمَ لربِّ العالـميـن خضوعا وقَبُولا بالـقلب وبالـجوارح استسلاما تـامّـا لا اعتراض فيـه، لأنّ كلّ الـحـوادث التي تـحدثُ فـي هــذا الـكون كبيـرهــا وصغـيـرهــا، خفيِّها وجليِّها، إنـّمـا تـحدثُ بعلمه وَفْقَ مشيئتِه وبالغ حكمته. والذي ينبغي أن نعمله في غلبة ظنّـي – والله أعلم- بمناسبة هذا الـجائحة هو التفكُّر في خلق الله في هذا الوباء الغريب، الذي أوقف الأرض عن الدّوران حول نفسها. وصنيعِه بالعوالم التي غيّرها وقَلَبَ موازينها رأسا على عقب، إذ أوقف عجلة الاقتصاد العالـمي وشلّ حركتها. وأطفأ نيران الـحرب الضّارية الـمستعرة في أرجاء المعمورة كلّها، وحقن دماء العديد من الضّعفاء والأبرياء، وأذلّ قادتها، وأرغم أبطالها على وضع السّلاح دون مهادنة أو مصالـحة. وعطّل دور العبادة عن مهامِّها، فأوقف الـجُمُعَةَ والـجماعاتِ وانفضّت مـجالس الذّكر عن ذكر الله تعالى، وأخلى بيت الله العتيق من الـحجّاج والـمعتمرين وجعلها يبابا مُوحشَةً وكأنـّها في آخر عهدها خائفة مرتجفة ترتقب مجيئ الحبشيِّ ذا السّويقتين بـِمِعْوَلِهِ ليَنقضَ أحجارها ويستخرجا كنزها، وفرّق بين النّاس في المحلاّت والمتاجر والطّرقات على مسافات متباعدة بينهم، بل وألزمهم ديارهم لا يخرجون منها إلاّ لضرورة العلاج والاقتيات، وأذهب عن المجتمع رِجْزَ الشّياطينِ -تجارَ المخدّراتِ-، وَكَفَاهُ فتنة المتبرّجات الـمترنّـحات في الزّقاق الطّرقات، وحَضَرَ التسكّع والمعاكسات في المقاهي والنوادي و الحدائق والسّاحات…

 فإلى أي مبلغ وصل الـخَبَثُ على هذه البسيطة حتى يسلّط الله على النّاس كلّ هذا العذاب الـمهين فيَهْلَك الصّالحون معهم؟؟ أو إلى أي حدٍّ من الانتكاسة والتّقصير نزل إليه الصالحون حتى لا يرضى ربّهم عن صلاحهم وعباداتهم؟؟ أو أيّ خير ورحمة أرادهما الله بالعباد إذْ صَرَفَ عنهم ما لا يعلم من الشّر والبلاء إلاّ هو حين شغلهم بهذا الوباء؟؟

ثمّ إنّ الأمر الأكثر غرابة في هذا الوباء أنّه حشر النّاس  في نَمَطٍ واحد من الحياة أشبه ما تكون بحياة البرزخ ولـمّا يبدأ حسابهم بعد، فلا العبادة توقّفت شعائرُها ومناسكها، ولا النّاس طُلَقَاءُ يفعلون ما يشاؤون. يفرّ بعضهم من بعض، لا يتصافحون ولا يتعانقون، ولا يطمئنُّ بعضهم إلى بعض،  كأنه ذلك المشهد الذي وصف الله تعالى: (يوم يفرّ المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه) عبس34-35-36 … الشّأن كلّ الشّأن أنّـهم كلَّهم على قَلْبِ رجلٍ واحد، مسلمِهم وكافرِهم في انتظار الفرج من هذا الغمّ الذي هم فيه. وما أشبهه بذلك المقام العظيم حين تدنو الشّمس من رؤوس الخلائق قدر ذراع، والنّاس في كرب شديد وطول عناء، ينتظرون صاحب الشّفاعة الكبرى، الذي تحمده الخلائق كلّها –صلى الله عليه وسلم-  فيشفع لهم عند بارئهم فيُكشف عنهم ويبدأ حسابُهم وجزاؤهم. وأمّا الحديث عن الأيام السّالفة كأيام المساجد والأعياد والولائم والأفراح والأسواق والألعاب والمنافسات على اختلاف أنواعها وهيئاتها وأحداثها فهو كالـحديث عن الأيام الخالية في الحياة الدّنيا..

ولعلّ من طرائف هذا الوباء مع النّاس أن انتشار الوساوس به أكثر من انتشار العدوى  بينهم. إذ أنّه كشف مِنْ معادن النّاس وطبقاتهم وعقليّاتهم ومستويات إدراكهم ما لو قَضَيْتَ العُمُرَ  كلَّه في اختبار النّاس ما وصلت إلى مضمرات صدورهم… ومن ذلك أنّي جالست أقواما خلال فترة العزلة، وحاورتُ أفرادا منهم كانت يَدُ الحدثان قد فَرَّقَتْ بيني وبينهم منذ شَأْوٍ بعيدٍ، فوجدتُّ أنواعا من الجهل وأطنابا له قد تجمَّعتْ وتراكَمَ بعضُها على بعضٍ، ثمّ جثمتْ دهرا على عقولٍ منهم إلى حدٍّ يمنعُ سُبُلَ الحوار إلى تخليص عقولِهم من سجن الجهالة المحبوسة فيه، أو وصول نور الهداية لإنارتها وإرشادها وَسْطَ ظلمات الجهل –إلاّ أن يشاء الله – … فوجدتُّ صنفًا من النّاس بؤساء أشقياء مِمَّنْ نغَّصَ الدّهرُ معيشتَهم مُتَشَبِّثِينَ بالحياة حريصين عليها حرصا شديدا، قد بلغ بهم وسواس النّظافة مبلغا جاوز الحدّ المشروع فيه، يبالغون في غسل أيديهم بمنظِّفات كيميائية عالية التّركيز اهترأت لها جلودهم وتمزّقت بها لحومهم لشدّة الحكِّ والدّلْكِ، ولو تأمّلوا في عضّات الدّهر لهم، وعثراتهم في  الحياة  لوجدوا أنهم جرؤوا على الموت في مرات أكثر مما جرؤَ الوباء على العباد… ووجدت صنفا آخر من النّاس مُصابا بالوباء يكتمون ويتحفّظون على جلسائهم وأقربائهم وجيرانهم ظنّا منهم أن الإصابة به من قَبِيلِ العيبِ والفُحْشِ الذي يجب كتمانه والتستّر عليه خشية الفضيحة والعار يُعَيَّرُونَ به… ووجدتُّ صنفا آخر من النّاس ما زالوا يصدِّقون  بالغول وطائر العنقاء، وبتعبير آخر: مازال يؤمن بالخرافات والأساطير، فهم يَرَوْنَ أنَّ خَبَرَ انتشار الوباء من قبيل الدّعاية الإعلامية والتّهويل الإعلامي لا غير، وأن لاوجود لهذا الوباء البتّة، فهم يأكلون ويشربون مـجتمعين، ويجلسون جَنْبًا إلى جَنْبٍ ولا يحتاطون بأسباب الوقاية أبدا، ويعتبرونه مجرد زكام نتيجة تغـيّـر الطّقس مثلما نَلْحَظُهُ خلال فصل الشتاء، وأنّ ما يقوله كلّ الأطباء والمختصّين في الميدان ومنظّمات الصّحّة عبْر العالم بكلّ اللّغات هو مـحْظ افتراء وتواطؤ عالمي لأجل تنفيذ مخطّطات سياسية واتّفاقيات سرّية بين الدّول حسب نظرتهم… ووجدتُّ صنفا آخر من النّاس وإن كنت أعدُّهم من الـمغفّلين، فإني أُشْفِقُ عليهم أكثر من إشفاقي على نفسي، وما ذاك إلا لِصَفَاءِ قلوبهم، وطِيبَةِ خواطرهم، وحُسْنِ نيّاتهم، فهم ليسوا بمرضى ولا بـمكذبين بالوباء، وإنـّما هم من الـمُكْثِرين من الأحباب والأصدقاء مَحبَّةً للأنس ونَأْيًا عن الوِحشة، لهم في الحياة جهد جليل، وصدر كبير، يسعون في قضاء حوائج الناس ونفع الآخرين، وبخاصة مِـمَّنْ تـجمَّل لهم بلباس الخِلاَّنِ والإخوان .لكن لـمّا نزل الوباء بساحتهم، وعُزِلت وِلَايتهم، وانقطعت السّبل إليهم، ولم تَعُدْ تُرجى غنيمتهم، قُطعتْ حبال وصَالهم، وعُطِّلت هواتفهم، وانعدمت أخبارهم… جالستُ واحدٍا من هؤلاء الـمغفّلين المساكين -أصحاب السّذاجة الـمُفرطة-، كان خافض الجناح، مكسور الخاطر، مكلوم النّفس، مُطرقا ببصره إلى الأرض. تمرّ به الأيام واللّيالي والأسابيع ولا أحد ممّن كان يظنّهم إخوانا وخلاّنا يردّ على هاتفه أو يسأل عن حاله أو عن حال أهله وجيرانه، فما كان منّي إلا أن قُمتُ عنه صامتا كما قَعدتُ إليه صامتا… وصنف آخر ممّن حاورتهم كذلك: بعض الآباء، سأل أطفالَه عن رأيهم فيما لو يكشفُ الله الوباء، ويتعافى الحال، وتعود الدراسة؟؟ فما كان منهم إلا أن قاطعوه رافضين بأن يُبْقِيَ الله الوباء، و يزيدَ في المدّة، و يُديـمَ في العزلة، ويطيل  في الإجازة، ويبعد مشقّة الدّراسة، وعناء الواجبات…

ولئن كان هذا الوباء نزيلا علينا فإنّما هو وباء تصاب به الأبدان لا غير، ولنا في سنّة نبيّنا محمّد- صلى الله عبيه وسلم- من الهَدْيِ والخير ما يُغنينا عن كلّ الأقوال والأراجيف حول هذا الوباء، فلقد كان – صلى الله عليه وسلم-  يرشِدُ أُمّتَه إلى تَغْطِية الآنية قُبَيْلَ النّوم، ذلك لأنّ في السَّنَةِ ليلةً ينزل فيها من الوباء ما الله به عليم، وكان كثيرا ما يُرشِد إلى أَخْذِ الحذر وأسباب الوقاية بأن يفرَّ السّليم من المجذوم فراره من الأسد، و كان يعلّم أصحابه الكرام في شأن العقيدة من التوكّـل على الله أنّ العدوى لا تنتقل إلا بإذن الله وإن توفّرت أسبابـها، و كان ينـهى –صلى الله عليه وسلم- أن يـَرِدَ الـمـُمْرِضٌ على المُصِحٍّ خشية أن يعديَه، و كان يبشّرُ المُقيم الماكث في بيته صابرا محتسبا في مثل هذه النّوازل بأجر كبير عند الله تعالى، وكان يبشّر بأن من مات مبطونا بسبب الوباء فله حكم الشّهيد في سبيل الله تعالى … فأيّ كلام يُعْتَدُّ به بعد الله ورسوله ؟؟ وأيّ رحمةٍ تُسْعِدُ النّاس في الدّنيا والآخرة مثل رحمة الإسلام ؟؟ (وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) النور 54.

 وأمّا عن وباء الأرواح وما يصيب من العقائد والأخلاق فهو الوباء الحقيقي الذي لا ينفع معه طبُّ طبيب ولا رُقْية راقٍ، تنتشر العدوى به عن طريق النّفس الأمّارة بالسّوء، وشياطين الإنس والجنّ وما يُوحِي به بعضهم إلى بعضن زخرف القول غرورا، يقتل القلوب في حياتها، ويعمي عن النّور أعينا مُبْصرة، و يَصُمُّ عن الحقِّ أذانا سامعة. لأجله أرسل الله الرّسل، وأنزل الكتب، وخلق الميزان ، وبشّر بالجنّة، وأنذر بالنّار، فحريٌّ بكلِّ عاقلٍ حريصٍ على سلامة نفسه وأهله أن يُحَصِّنَ نفسَه وأهلَه ويحترز من هذا الوباء الخبيث…

والذي يجدر بالمرء في شتّى أحواله سواء في هذه النّازلة أم في غيرها من النّوازل هو أن يَثْبُتَ على أَمْرِ الإسلام و يستقيمَ على الطّريقة النّبوية التي شرعها لأصحابه، وبعد ذلك ليس يضيره أن يموت بالوباء أو بغيره من الأسباب.

 ولستُ أُبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا *** على أيّ جَنْبٍ كان في الله مصرعي.