الأربعاء 06 يوليو 2022
img

العلاقات الاجتماعية بعد وباء كورونا – مساهمة أ/د نصرالدين بوحساين أستاذ بجامعة البليدة 2

أ/د نصرالدين بوحساين

أستاذ بجامعة البليدة 2

إنّ تفشّي الوباء في المجتمع الجزائري –على غرار مجتمعات المعمورة- قد حمل الحكومات إلى إجراء حُزَمٍ من الإجراءات الصحية الوقائية لصدّه والتقليل من أضراره  حيث تمثّلت في الحجر الصحّي إضافة إلى التباعد وارتداء اللثام الصحّي ممّا تولّد عنه جملة من النتائج الفورية سنحاول أن نسلّط الضوء على أحد عناصرها متمثّلا في التحية باعتباره عنصرا من عناصر التواصل الاجتماعي ومكوّنا من مكوّنات الرّصيد الثقافي داخل أيّ مجتمع فما تأثير إجراءات الحجر الصحّي في نظام التحية داخل المجتمع الجزائري ومنه في أحد مقوّماته بالمنظور السيميولوجي  والاجتماعي الثقافي ؟

المعلوم أنّ الإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا بامتياز قد اتخذ منذ غابر العهود مجموعة من الأنظمة التبليغية ليتواصل مع بني جلدته تلبية لمختلف الأغراض فاخترع اللغة واخترع معها أنظمة دلالية أخرى مبنية على إدراك  مختلف حواسه منها الأنظمة الحركية واللمسية والشمية والذوقية والسمعية والتي اهتمّ بدراستها علماء الأنثربولوجيا في البداية ثم علماء اللغة . ويعتبر فردينان دي سوسورFerdinand De Saussure من العلماء الأوائل الذين اهتموا بدراسة هذه الأنظمة والتأكيد على وجود علم أعمّ من الدراسات اللسانية أطلق عليه مصطلح السّيميولوجياLa séméiologie  و هو المصطلح ذو الأصلين اليونانيين méionéS الذي يعني الدليل أو العلامة و logos الذي يعني الخطاب العلمي ثم العلم على سبيل المجاز.وقد سار في نفس المنحى مجموعة من العلماء مثل “بيرس” و “سابير” وغيرهم كثير من العلماء الذين وجدوا أن ّ الكثير من العلاقات الاجتماعية تبنى على أنظمة غير لغوية.

من ضمن الأنظمة التي يعتمدها المجتمع في بناء علاقاته على اختلاف أنواعها ومستوياتها نجد النظام الحركي الذي يتخذ جملة من الأنظمة الفرعية تتنوع بتنوّع الأغراض التخاطبيةفمنها ما يشكّل نظاما قائما بذاته كما هو الحال بالنسبة لإشارات الصمّ البكم ومنها ما اتخذته مختلف المجتمعات كنظام ثانوي مصاحب للنظام اللغوي يدعّمه كما نلاحظه عند الكثير من شعوب البحر الأبيض المتوسّط التي يستعين فيها المتكلّمون بالإشارات المصاحبة للخطاب اللغوي وأحيانا يعوّض الكثير من أدلّته حينما يعوز المتكلّم الكلمات الملائمة . وتستعمل الإشارات للتعبير عن التقدير والاحترام كما هو الحال في التحية العسكرية برفع اليد اليمنى نحو الجبين أو في طأطأة الرأس أو في الانحناء كما هو الحال في المملكات أو في السجود طاعة لله وتطبيقا لأوامره واجتنابا لنواهيه.

تعتبر التحية جزءا لا يتجزّأ من النظام الحركي الذي اعتمدته المجتمعات منذ أقدم العصور حيث اتخذها الإنسان أداة للتبليغ والتواصل والتعبير عن علاقاته بغيره فاتخذ من المصافحة وتقبيل الجبين أو الأنف أو الكتف أدلّة للتعبير عن الروابط التي تربطه بغيره سواء أكانت علاقات أفقية أم عمودية أم بينية مدلولها الاحترام والتقدير أو الحبّ أو السخط إلخ ممّا يعبّر عنه الإنسان.

ليس الغرض من هذا المقال التحليل السيميولوجي لمختلف أنواع الإشارات الحركية لاسيما أنماط التحية بقدر ما نحاول من خلاله التنبيه إلى الآثار التي يمكن أن تنجرّ عن قطع هذا النظام نتيجة الظروف الصحية التي تعرفها البلاد وهو أساس كلّ دراسة استشرافية غرضها توقع ما يمكن أن يقع قبل وقوعه.

أسهب المختصون النفسانيون الكلام في آثار الحجر الصحّي وبقاء العائلات فترة طويلة في بيوتها سواء أكانت آثارا إيجابية أم سلبية و تفنّن الاجتماعيون في دراسة آثار الحجر الصحي على المستوى الجزيئي (العائلة ) وعلى المستوى الكلّي (المجتمع) لكننا لم نجد من اللسانيين أو السيميولوجيين من اهتمّ بالقطيعة التي أحدثها التباعد وعدم المصافحة في هدم النظام الذي دأب عليه الناس طيلة آلاف السنين و الآثار الناجمة عن ذلك.

1)أحدث الحجر قطعا واضحا في نظام التحية لدى الجزائريين على مختلف المراحل التي مرّ بها سواء أكان الدّال (le signifiant) هو ملامسة اليد كما عرف منذ قرون أم من خلال تقبيل الخد كما حدث في العشرين سنة الأخيرة .

2)صاحب هذه القطيعة انقطاع المواطن عن التحرّك وزيارة الأقرباء والتخوّف من الغير نتيجة الوباء و العدوى.

ممّا يقود إلى الانعزال والانطواء على الذات فهل سيقود ذلك إلى تفكّك اجتماعي إلى مكوّناته الأساسية متمثّلة في الأسر المعزولة و يشجب جميع العلاقات التقليدية التي ألفها و سلكها؟

ربّما يقول قائل لقد استعاض الجزائريون بعد اعتناقهم الاسلام بالتحية اللغوية من خلال استعمال جملة :”السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ” أو مختزلة في ” السلام عليكم “بدلا من المصافحة  أو تقبيل الرأس أو المعانقة فإنّنا نقول حينها أنّ هذا النمط الجديد قد ولج نظام التحية الذي تواضع عليه المجتمع وسرى في السلوكيات التبليغية التفاعلية في المجتمع  الجزائري لكنه لم يلغ الأنماط التبليغية والتعبيرية الأخرى حيث إنّه لم يلغ معانقة الأب لأبنائه و تقبيل الأم لهم إلى غير ذلك من تراكيب العلامات السيميولوجية الجزئية  المنضوية في نظام التحية الحركية ،والتي لا نجدها في المجتمع الجزائري فحسببل في أغلب المجتمعات التي تواضعت على هذا النظام كأحد مقوّمات أنظمتها التبليغية على غرار النظام اللغوي ؛ ممّا يعني أنّ التحية باستعمال الأدلّة اللّغوية يمكن أن تكون عاملا مخفّفا من الآثار السلبية للقطيعة التي أحدثها الحجر الصحي على الناس بوجه عام.وحينما نقول عاملا مخفّفا لا نزعم البتّة أنّه عامل واقٍ من آثار الصدع المترتّب عن التخلّي عن هذا النوع من التعامل بين أفراد.

إنّ ما يمكن أن يترتّب عن أيّ صدع أو انهيار في نظام متكامل سيتجلّى في جملة من الموجات الارتدادية السطحية والعميقة التي لا تُلاحَظُ آثارها إلاّ بعد مرور عدّة شهور بعد رفع الحجر أو عدد من السنين.

فما دمنا ندرس خللا حدث في نظام من الأنظمة الاجتماعية فإنّ لذلك الخلل الذي حدث طوعا أو كراها تداعيات ينبغي على المتخصّصين الاعتناء بها والتنبيه –على الأقل- إلى وجودها حتّى لا نُصدَم بظواهر لا نستطيع مجابهتها كما هو الحال في الطبيعة بوجه عام فلكلّ فِعلٍ ردُّ فعل ولكلّ قوّة حركية قوّة مقاومة.

المعلوم أن الطبيعة تأبى الفراغ وأنّه حينما يتعطّل أمر يعوّضه أمر من جنسه أو من جنس يشبهه في الكثير من خصائصه بحيث يستطيع أن يؤّدي وظائف الجنس الزائل أو المعطّل. وفي هذا الصدد بالذات تبدو أهمية الموضوع لأنّ ما دأب عليه الناس في أجيال تَتْرَى يجعل من الصعب تخيّل النظام المعوّض أو النظام المتحاشي لأنّ المنع يولّد لدى الإنسان الرغبة في تخطيه أو تحاشيه بنظام بنفس القوة والعنف اللّذين تمّ فيهما فرضه.

إنّ دراسة آثار الحجر من حيث استعمال نظام التحية وتتبعها لا يمكن أن يكون بعد رفع الحجر مباشرة بل هو عملية تتطلّب النفس الطويل والمسح المتأنّي والحصافة في الدرس والأناة في استخلاص النتائج لا يضطلع بها باحث واحد بل فرق من المتخصّصين في علم الاجتماع وعلم النفس واللسانيات وعلم الإحصاء تتبع و تتحرّى الوقائع السلوكية سواء أكانت لغوية أم عامّة ووشائجها النفسية والعلائقية مهما بدت بسيطة لا يؤبه بها عند عامّة الناس لكنها عند المختص إرهاص لظاهرة أكبر.

وإنّ القلاقل التي نلاحظها في مجتمعات متقدّمة هي وليدة الضغط الذي أفرزه الحجر من جهة و جملة من العوامل الأخرى التي يتفنّن المتخصّصون من مختلف المشارب تفصيل الكلام فيها، لكن الحجر كان العامل المساعد أو المفاعل (كما يحلو للكيميائيين استعماله) أو الوسط الملائم (كما يحلو للبيولوجيين توظيفه) في انفجار الأوضاع وهذا ما لا نرجوه لوطننا العزيز.

الاستشراف يبدأ مذ أن ظهر الوباء والدراسة لا تقتصر على الجانب الطبّي فحسب بل تتعدّاه إلى مختلف ميادين البحث لأنّ الآثار لا يمكن بأيّ حال أن تكون صحية فقط.