الأربعاء 06 يوليو 2022
img

الحبّ بين الإيمان والطبيعة

نورالدين محمدي: أستاذ اللغة العربية
نشرت مرّة على إحدى حساباتي في مواقع التّواصل الاجتماعي كلاما قصيرا مضمونه حول النّفس الإنسانية وما يعتريها من تغيّر أحوالها وصروفها وانقلاب طباعها ومزاجها مُشبّها لها بفصول السّنة الأربعة. وأرفقت ذلك المقال بصورة لي واقفا بين السنابل الذهبية، كان التقطها لي صديق عزيز كنّا في جولة بين الحقول… ثم جاءت التعليقات تترى على المقال، ولعلّ أهم ردّ لفت انتباهي من بين تلك التعليقات بل أعتقده الأفضل حتى من مقالي نفسه.. هو كلام أستاذنا الجليل الدكتور القدير محمد عبد القادر تيطراوي الذي أسهم بأفكار راقية ولغة سامية في الموضوع حول الحب والنفس الإنسانية وجاء فيه قائلا: ]ما شاء الله، صورة معبّرة ترمز إلى هبة الله اللامحدودة لمخلوقاته بشرا وكونا فتمتزج قوة الشباب ونضارته بعطاء الطبيعة وخيرها, فما أعظمه من خالق بارئ مصور }بديع السموات والأرض{.. أمّا مواسم للحُبّ، ومواسم لكذا وكذا فالأمر يتوقّف على الإنسان نفسه، وعلى من يحيطون به ويتعاملون معه. فالإنسان هو الذي يمكنه أن يصنع ربيعه؛ إذا ما ارتبط بقيم الحُبّ، والسّلام، والأمن، والخيرية نحو الآخر. كثيرون هم الذين في ريعان شبابهم، في طبيعة خلاّبة ساحرة كأوروبا وأمريكا وغيرهما، ولهم من النّجومية والشّهرة والتّرف ما لهم، ولكنّهم يُقْدِمُونَ على الانتحار، لأنهم افتقدوا الرّبيع والحبّ والسّلام والأمن، وتسلّطت على نفوسهم هستيريا الخوف من المجهول ، فأرجعوا حياتهم من ألفها إلى يائها خريفا، وقد سقطوا في أسفل دركات اليأس والقنوط.، والسّبب واضح وجلي: إنّهم يفتقدون إلى قيم روحية تربطهم بخالقهم. ولذلك فإن ملايين المؤمنين منذ بعثة نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم-، من عاشوا في كهوف، أو مغارات أو مناطق نائية تفتقد لأدنى ضرورات الحياة المدنية، ومع ذلك كانت حياتهم في ذروة الحبّ وربيعية بكلّ المعايير، ملؤها السّعادة والقناعة و الزّهد، والصّبر على المكاره، والتّواد والتّآخي وحسن الجوار مع الآخر، وألف فضيلة وفضيلة. والانسان إذا ما افتقد للإيمان بخالقه ولهدي نبيه -صلى الله عليه وسلّم-، سيعيش حياته نكدا حائرا بائسا ضالّا تائها يخبط من غير علم ولا هدى ، حتى ولو أقبلت عليه الدّنيا، وهو يجرّها من أذيالها، وهو ما وقع فيه الرومنسيون عندما لجأوا إلى الطبيعة، استصغروا أنفسهم ، وتاهوا في فضاءاتها، حتى كفر بعضهم فَأَلَّهُوهَا ، كما كان الإغريق قبلهم. افتقدوا لآدميتهم وذابوا في جبالها ووديانها وبحارها ونجومها و غاباتها و… وصاروا يعتقدون بأنّهم لا يضاهون ذرّة منها؛ وقد تجلّى ذلك بَيِّنًا في فكرهم وأشعارهم وإبداعاتهم عموما. فانظر إلى الكاتب اللبناني أنطوان الجميل حينما يقول:” لماذا لا يشبه الانسان الطبيعة هي تزهو وتزهر بعد عواصف الشتاء، وهو يهون ويذبل بعد عواصف الشقاء؟…”. بينما ابن حزم الاندلسي يقول:” كل مصيبة تصيبني في مدرسة الدّهر ولا تقتلني؛ فهي حياة جديدة لي”، فأكثر عظماء تاريخ البشرية هم الذين تخرجوا من مدرسة اليتم والشقاء والتحديات. تحياتي سي نورالدين مع حبّي وتقديري [وقلت في نفسي: ما أجمل تعليق الشيخ!! وما أحلاه من ثمر !! .. فبمثل هؤلاء العقول التي لا تشيخ نفوسهم يرتقي الفكر، وتسمو الرّوح، وتشرق الفضيلة في حليتها وزينتها، لأنّه لا يقول مثل هذا الكلام البليغ في ألفاظه، والنّادر في معانيه إلاّ من أُشرب قلبه بالإيمان، وارتوى من الحبّ من معينه الصّافي. وجال في أرجاء الطّبيعة وسمع من مكوناتها وفهم عنها مرادها. ثمّ مزج بين ذلك كلّه ليخرج لنا دررا من درر البيان والمعاني، ويجعل منه عقدا فريدا يعلقه على صدر مقالتي.. فما أكرمه من أستاذ ! وما أجمله من كلام!