الأربعاء 06 يوليو 2022
img

الإمام بين الدّعوة والوظيفة / مساهمة أستاذ اللغة العربية- نورالدين محمدي

كان الإمام رمزا للدّين والإيمان والخير والسّرور منذ أن أرسل الله محمّدا -صلى الله عليه وسلّم- بالهدى ودين الحقّ إلى يوم النّاس هذا، وقد حظيت رتبة الإمامة بين النّاس بمكانة واحترام كبيرين في قلوب المسلمين، ذلك لأنّ الإمام يخلف رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم–في نشر التّوحيد، وتربية النّاس، وتقويم السّلوك،والامتثال بالدّعوة قولا و فعلا ومنهاجا…وبما أنّ الله -عزّ وجلّ- حَصَرَ دخول الجنّة في اتباع هدي نبيّه – صلّى الله عليه وسلّم – وحَصَرَ دخول النّار في مخالفته فقد نَجَمَ عنْ هذا حساسية بالغة تجاه الإمام،حتى صار كلّ ما يصدر عنه من ألفاظ وتصرّفات منوطا بالملاحظات والانتقادات اللاّذعة، وأمّا ما عِيبَ عنه من هنّات وسقطات فلا تكاد تصل إلى الأرض لكثرة اللاّقطين…

ومن أمثلة ما ذكرت: هو تلك الملاحظات التي وُجِّهت لبعض الأئمّة الكرام خلال الأيّام التي فشى فيها الوباء في نقص الفاعلية والدّور الاجتماعي، أو في الوساطة بين المحتاج وصاحب المال،ونجم عن ذلك أيضا بعض الانتقادات على ألسنة بعض الإخوان بأنّ الإمام يستمتع بإجازة مدفوعة الأجر، في حين لايجد الجاهل من يرشده في قضايا حياته، ولا يجد صاحب العيال ما يسدّ به حاجة عياله. فرأيت أنّ من واجب المسلم على أخيه المسلم حماية ظهره،والذّبُّ عنه في غيابه، لا سيما إن كان ممن علا قدرُه، وحمل القرآنَ صدرُه…فقد حاورت بعض الأئمة الفاضلين في القطاع،وناقشتهم في القضية فوجدت عندهم من الجواب ما يعلي القدر، ويثلج الصدر، ويزيح الظلمة، ويذهب الغمّة.

فأمّا الواجب الدّعوي وتعليم النّاس أمور الدّين فقد تعذّر التّواصل المباشر مع المصلين بسبب قرار غلق المساجد،وتعطُّل صلاة الجمعة والصّلوات الخمس جماعة، إلا أنّ هذا لم يمنع التّواصل كليّا، فقد رأينا العديد من الأئمة الكرام يفتحون مكبرات الصّوت من داخل المسجد ويلقون المواعظ والدّروس على النّاس وهم في بيوتهم، وسخروا هواتفهم للإجابات على انشغالاتهم وسؤالاتهم، بل توسّعوا أكثر من ذلك فاقتحموا مواقع التواصل الاجتماعي وبثّوا خلالها تسجيلات مباشرة، وتلاوات قرآنية عطرة. ومن تخلّف منهم عن هذه الوسائل فإمّا لكبر سنِّه، وإمّا لقلّه علمه بالإعلام الآلي، أو ربما لا يملك سوى هاتف من الجيل الثاني –قديم-…

وأمّا الواجب العملي أو الدّور الاجتماعي والتواصل بين المحتاج وصاحب المال فكثير من الأئمة ممن يقطنون في مسكن المسجد أو يقربون منه نشطوا مع الجمعيات الخيرية وطرقوا أبواب الفقراء والأيتام والأرامل وكلَّ من كانت به حاجة، بل فتحوا باحات المساجد لجمع التبرّعات وأعطوا مثلا عن الدّين العملي وممارسته في الحياة، ومن تخلّف منهم عن هذا الدّور فإمّا مسكنه بعيد عن المسجد، وإمّا لم يسمح لهم بالتنقّل بالسيّارة خاصّة مع بداية الوباء، ولم يُعط لهم إذن في التنقّل مثل تجار الجملة والفلاحين آنذاك. -وياليت شعري؟؟- أو أنّ بعض الجمعيات الخيرية القائمة على العمل انفردت بالتوزيع دون الإمام…

وبالجملة فالأئمة قد بذلوا وسعهم في إيصال الخير للناس،وهم مشكورون على سعيهم إلاّ من كان له عذر أبطا به فأجره موصول بهم –إن شاء الله تعالى-.

إنّ الإمامة بالمعنى العام هي المفهوم الذي ينبغي على كل مسلم أن يتحلّى به. وأن يحرص على بلوغه وسَبْقِ النّاس والتقدّم عليهم في كلّ مجامع الخير، ليكون القدوة الحسنة التي أشار إليها الله -تبارك وتعالى- في خواتيم الفرقان ( واجعلنا للمتقين إماما ) الفرقان 74 . لأن الإيمان والعمل الصالح ليس مقصورا على الموظّفين بالمساجد، بل كلّ النّاس مأمورون به ولا فرق في ذلك بين غني وفقير، ولا بين ذكر وأنثى ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدّت للذين آمنوا بالله ورسله ) الحديد 21.