الأربعاء 06 يوليو 2022
img

الأعراض السّائبة / مساهمة الأستاذ نورالدين محمدي

نورالدين محمدي / أستاذ اللغة العربية

كثيرا ما كنت أسمع أقاويل ودعاياتٍ عن إخواننا وأخواتنا ممّن عُرِفُوا بالعفّة،والشّرف،والفضيلة،وحسن الخلق والأدب أنّهم انحرفوا وفسقوا وهتكوا الحرمات، وأنّهم منافقون مخادعون يخادعون الله ورسوله ويخدعون المسلمين بصورة الدّين وحسن المظهر ولباقة الكلام… ومرَدُّ ذلك ومصدره غالبا ما يعود إلى عصابة من رَعاع القوم وسفلتهم من أصحاب النّفوس المريضة، والأخلاق الهابطة. أولئك الذين شغلهم الشاغل، وهمّهم الأكبر القذف واتّباع عورات الغافلين من المسلمين والمسلمات في كلّ مكان، والتجسّس عليهم، وتأويل شبهاتهم، وتصيُّد سقطاتهم، والفرح بزلاتهم وعثراتهم، كلّ ذلك لأجل السّخرية منهم، وتلفيق التّهم والشّائعات حولهم، وإسقاطهم من أعين النّاس حتى لا يقتدوا بصلاحهم لا سيما إن كان العِرض المغدور به من المحسوبين على المستقيمين على هدي الرّسول – صلى الله عليه وسلم – أو كان من الدّاعين إلى الله عزّ وجلّ….

وحقيقة هؤلاء النّاقمين أنّهم شياطينٌ من شياطين الإنس من حيث أنهم يشعرون أو لا يشعرون، وقد جاء التعوّذ بالله من شرّهم في القرآن المجيد… وما كانت نقمتهم من عباد الله المؤمنين من غيرةٍ على الدّين، ولا حرصا على الأخلاق في المجتمع، ولا كانت لأجل مال يكسبونه من جراء التّشهير بعيوبهم، لأنّ تلك الشّبهات التي يتقوّلونها باتت حقيقة يجهر بها المنحرفون ودعاة الرذيلة في النّوادي ووسائل الإعلام وفي الزّقاق والطرقات. ولكنّه البغض الشّديد للنبي الكريم قد توطّن شغاف القلوب، والسمّ الزعاف يبثونه في عروق المجتمع المسلم ليسود الشّقاق والفرقة بين المسلمين، ولتضعف شوكتهم، وليختلفوا في أمرهم، وليلعن بعضهم بعضا ويقدح بعضهم في عرض بعض.. ولئن كان هؤلاء المتطفلين قد فاتهم زمان الرّسول-عليه السلام- ليؤذوه مع المشركين في مكة،أو مع المنافقين في المدينة فإنهم قد أدركوا إخوانه من بعده،وأتباعةعلى هديه ومن سار على نهجه، فإذا وقع في الشّبهات شابٌّ مستقيم، أو فتاة شريفة زلت بها قدم نادوا بنفاقهما، ودعوا إلى عزلهما، وأمّا إذا شرب الخمر حقود منهم ثم قتل الغلام بعد ذلك ووقع على المرأة قالوا إنّما هي ديمقراطية وحرية شخصية يفعل ما يشاء ولا ينبغي التدخل فيها. ولسان الحال كما ذكر النّبيّ–صلى الله عليه وسلم-في أسباب هلاك المجتمعات: (… إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ)، أو كما قال الشّاعر الحكيم:

وعين الرِّضا عن كل عيب كليلة *** وعين السّخط تُبدي المساويا

وإنّ هذا النّمط من السّلوكات في تتّبُّع عورات المسلمين، والتّجسّس على أحوالهم، وتوجيه الانتقادات اللاّذعة لهم، وعدم التثبّت من الأنباء، وعدم التماس الأعذار، وعدم التقصّي في معرفة الدّوافع والأسباب التي أدّت إلى ما أدت إليه، وعدم التستّر على الإخوان وعدم بذل النّصيحة لهم سرّا، ثم إِتْبَاعُ ذلك بالحكم جزافا على طائفة معينة من النّاس هو سلوك غير حضاري وغير أخلاقي، ليس من الدّين ولا من المبادئ والأعراف الاجتماعية في شيء… وهو مرض من الأمراض الاجتماعية تفشّى على الألسن والأقلام، قدب ات يطعن خاصرة المجتمع الجزائري،ويضعف شوكته، ويوهن سطوته، وينقض أسس حضارته، وينذر بخراب عمرانه…

إنّ الإسلام الحنيف جاء ليحقّق مقاصدًا خمسً اليكفل بها حقوق الفرد والمجتمع، ولتحقيق السّعادة في الدنيا والآخرة. ولتحقيق ذلك شرع حدودا غليظة للقذف والاتهام الغير مبررين. وشرع الاستئذان قبل ولوج البيوت على أهلها، وحرّم الغيبة والتجسس على الغافلين، وجعل بعض الظّنّ إثم، ودعا إلى السّتر في حال الفضيحة ورغّب في النّصيحة حال ثبوت الخطيئة وجعل فيهما جائزة عند الله كبيرة، ودعا إلى إنظار المعسر، ودعا إلى درء الحدود بالشّبهات، ودعا إلى التماس الأعذار، ودعا إلى الشفقة على المبتلى، وغير ذلك من الرحمة بعباد الله كثير… فأين قلوب الحاقدين من شريعة الله في معاملة خلق الله؟ أم أنهم تسلّطت عليهم ألسنتهم فلم يجدوا إلاّ أن يشحذوها بأعراض الشرفاء؟ وإذا كان كذلك فقد قيل قديما:

قل للشّامتين بنا أفيقوا *** فإنّ نائبات الدّهر تدور

أم أنّهم لا يُجيدون غير النّقد والحكم على النّاس؟ وإذا كان كذلك فإن النّاقد –كما يقول أهل العربية – هو آخر الأدباء وأضعفهم لأنّه لا يقدّم شيئا. بل يقتصر جهده في الحكم على أعمال الغير ( أحسن في هذا الموضع،  وأساء في ذاك الموضع)

إنّ الله عزّ وجلّ قد حرّم الظّلم على نفسه، وإنّه قد جعله محرّما بين عباده، وإنّه قد وعد عباده  المظلومين بالنّصر المبين ولو بعد حين، وإنّه قد أوعد عباده الظالمين بالعذاب الأليم، وقد رأينا من تجارب الحياة ونقماتها وتحوُّل صروفها وانقلاب مزاجها وأحوالها آياتٍ مُبْهراتٍ على عدل الله تعالى بين عباده. فما بال هؤلاء الظالمين لا يعتبرون ؟ ألا يكفون ألسنتهم وأقلامهم عن شرفاء المسلمين؟ ألم يعلموا أنّ الصّالحين في هذاالزمان الغريب غرباء بدينهم؟ ألم يعلمواأنّ الله جع لأجرالواحد منهم خمسين أجرا بأجرأبي بكروعمروعثمان وعلي –رضي الله عنهم أجمعين- لكثرةالفتن ولشدّة البلاءعليهم والغواية بهم؟ألايعذرون؟ ألم يعلموا أن أربى الربا هو عرض الرجل المسلم ؟ ألم يعلموا أن الربا هي حرب خاسرة مع الله ورسوله ؟ ألا يؤمنون بيوم الحساب؟ بلى، ولكنهم يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم

وإذا كان هؤلاء المغتابين المتبعين لعورات المسلمين والمسلمات قد باعوا نفوسهم لإبليس واتّبعوا أهواءهم، ولم يتورّعوا عن أعراض الشبّان الطّيّبين والمحصنات الغافلات فلا ينبغي للعاقل أن يتّبع خطواتهم ولا أن ينحو نحوهم، بل يليقبه أن يعتزل مجالسهم، وأن يكفّ عن مؤانستهم، وأن يكفَّ لسانه عمّا سمع منهم، وأن يتعوذ بالله من وساوسهم ، وأن يكون حسن الظّنّ، سليم الصدر، رفيع القدر، وأن يدافع عن عرض وشرف إخوانه، ليجدَ حسن المثوبة عند الله يوم القيامة، وليُسَخِّرَالله له من يدافع عنه إذا بُلي بهذا البلاء، وأمّا أولئك المغتابون الفاسقون فإنّ حكم الله تعالى ماضٍ فيهم مثل سائر خلقه لا يخرجون عن إرادته وكل ساقٍ سيُسقى يومًا بما سقى.